اتفق معکم فی أن عنواناً مثل أبحاث السوق (أو أبحاث التسویق) یبعث على الرهبه فی النفس، ویرسل إشارات تحذیریه إلى المخ مفادها أن ما ینتظرنا هو جرعه أخرى من الملل والکلمات المبهمه. فی حین أن عنوان مثل “التجسس على السوق” یبدو أکثر جاذبیه، إذ یذکرنا بأفلام الجاسوسیه الشیقه، وتأتی اللغه العربیه بفعل “تحسس” بالحاء لا الجیم، القریب فی المعنى،  إذ أن التجسس فی اللغه إنما یکون فی غیر الخیر، والتحسس إنما یکون عبر وسائل مشروعه ومقبوله – على المستوى الأدبی والاجتماعی- وفی الخیر، کما أمر سیدنا یعقوب بنیه فی الآیه الکریمه قائلاً: “یا بنی اذهبوا فتحسسوا من یوسف وأخیه”.

أبحاث السوق = تحسس السوق

إذاً لنتفق فی البدایه على أن عنوان “أبحاث السوق” إنما یعنی تحسس السوق ومعرفه أخباره. التحسس لیس مقصورًا فقط على أن تحمل قائمه طویله من الأسئله الممله تطارد بها الناس فی الطرقات کی یجیبوا علیها، فالبحث عبر موقع جوجل یکفی أحیاناً لأن یغطی هذه الخطوه ویمدک بما تحتاجه من معلومات.

وما أهمیه أبحاث السوق ؟

تعود أهمیه تحسس السوق للحقیقیه العلمیه التی تقول أن “القرارات السلیمه اعتمدت على معلومات سلیمه“. بل یمکن الزعم بأن أبحاث السوق لهی أهم خطوه تسویقیه على الإطلاق، فإذا أنت جمعت معلومات غیر دقیقه عن السوق، فکل ما سیعتمد على هذه المعلومات الخاطئه سیکون مصیره الفشل.

المخاطره عنصر أساس فی  التسویق

من الجهه الأخرى، لا تخلو قرارات التسویق من المخاطره، فأنت قد تجمع معلومات تسویقیه سلیمه، لکنها محدده بفتره صلاحیه زمنیه قصیره، تصبح بعدها غیر ذات جدوى، فحتماً نسبه مشاهده السعودیین لمباریات کأس العالم ستکون عالیه جدًا، طالما أن  المنتخب السعودی یشارک فی هذه المباریات، وفی حاله خروج المنتخب من التصفیات، فنسب المشاهده حتماً لن تستمر على معدلاتها العالیه.

همچنین بخوانید:   خصائص لإدارة العلامة التجارية

ما الهدف من أبحاث السوق ؟

الهدف من القیام بأبحاث السوق هو معرفه “الوضع الحالی للسوق وللمتسوقین“، لکنها أبداً لا تکفی -وحدها- لاتخاذ القرارات التسویقیه، فمدیر التسویق علیه استخدام حسه الخاص وذکائه لفهم السوق من خلال نتائج أبحاث السوق، مع الاستفاده من التجارب السابقه وخبرات جمیع العاملین فی الشرکه. أبحاث السوق هی مؤشر یشیر إلى اتجاهات السوق -الحالیه والمتوقعه- وعلى جمیع القرارات التسویقیه أن تشیر فی هذا الاتجاه. غنی عن البیان أن نتائج أبحاث السوق ستعتمد بشکل طردی على دقه أدوات البحث، ودقه استعمالها.

تعتمد أبحاث السوق على قراءه ما طلبه / یطلبه / سیطلبه الناس، وبالتالی ستعتمد على الفهم الصحیح لعلم النفس، لکن یکفی القول بأن محاوله فهم الدوافع الإنسانیه من الصعوبه بمکان، لأنها دائمه التغیر فی نمط یصعب التنبؤ به. یؤدی ذلک لأن تتناسب تکالیف إجراء أبحاث السوق طردیاً مع مستوى دقتها، ولذا على المُسوق دائماً قیاس المنفعه المنتظره من هذه الأبحاث، ومقارنتها مع تکلفه الحصول علیها، والفتره الزمنیه المطلوبه للحصول علیها، ثم اختیار مستوى الدقه المناسب.

ولکن، ما هی الأسباب القویه والداعیه للقیام بأبحاث السوق؟

۱- فهم السوق ووصف ما یجری فیه (البحث التوصیفی)

أبحاث السوق تصف وتصور وتشف لک ما یحدث الآن فی السوق، فهی مثلاً توضح لک الفئه العمریه التی تستخدم منتجاتک، وعدد منافسیک، ونصیب منتجک من مبیعات السوق الإجمالیه. هذه الطریقه فی البحث هی الشائعه، لکنها تتطلب التمسک بقواعد محدده من أجل الحصول على نتائج بحث دقیقه.

۲- تجربه أشیاء جدیده تماماً (البحث الاختباری)

عندما یتعامل المُسوق مع عناصر جدیده تماماً علیه، فهو یلجأ لهذا النوع من البحث الاختباری، فحتى الیوم لن تجد إجابه علمیه مُرضیه عن مدى قابلیه استخدام الإنترنت فی التسویق لمنتجات فی مجتمعاتنا العربیه. هنا المسوق لا یعرف إجابه لهذا السؤال، ولذا سیلجأ لطرق بحث استکشافیه، تستطلع هذا العنصر الجدید، وتحاول الإجابه عن تساؤلات لا توجد لها إجابات قاطعه. تتمیز هذه الطریقه من البحث عن سابقتها بأنها مرنه للغایه، ولا تتقید بطرق بحث نمطیه. على أن کونها تتعامل مع مجاهیل کثیره، یجعل نتائجها غیر مضمونه العواقب، لکنها تفید فی انتهاج طرق بحث أخرى ذات نتائج أکثر دقه.

همچنین بخوانید:   المتطلبات الأساسية للعلامة التجارية قبل اختيار إستراتيجية التجارة الإلكترونية

۳- معرفه کیف سیؤثر متغیر ما على متغیر آخر (البحث التجریبی)

للإجابه على سؤال مثل: ما الذی یمکن أن یحدث لمبیعات منتج ما عند تغییر شکله الخارجی، هنا سیتبع الباحث طریقه بحث صارمه تقوم بتحیید جمیع المتغیرات الأخرى، لیعرف بدقه کیف سیؤثر متغیر ما على متغیر آخر. التمسک بقواعد إجراء الأبحاث التجریبیه سیؤدی للحصول على نتائج دقیقه ومضمونه للقرارات التسویقیه المبنیه علیها. لأبحاث السوق أنواع کثیره، تختلف باختلاف السوق والناس والسلعه والظروف والمیزانیه وغیر ذلک، وعلى الباحث أن یختار منها ما یناسب ظروفه وسلعته وشرکته.

لکن نتائج البحث قد لا تکون ذات علاقه مباشره، ففی فتره الثمانینات مثلاً، کانت فئه من الشباب العربی تشکو من تخلف التلفزه العربیه، وتضرب المثل على أنها لا تقدم إعلانات ما بین البرامج. بعد توجه هذه التلفزه لتقدیم الإعلانات، عاد هؤلاء الشباب وشکوا من کثره الإعلانات. شکوى الشباب کانت وسیلتهم للتعبیر عن عدم رضاهم عن نتائج المقارنه ما بین التلفزه العربیه والغربیه، وما المثل الذی استخدموه سوى طریقه للتعبیر عن عدم الرضا.

هل جمهورالمستهلکین یعرف ما الذی یریده فعلا؟ لا.

عندما شکا مستهلکو مشروب کوکا کولا من قله السکر فیه، طرحت لهم کوکا کولا مشروباً عالی التسکیر، وبعد أن أقبل الجمهور على المنتج الجدید فی البدایه، عادوا بعد فتره للمشروب القدیم، فهم اکتشفوا أنهم هم أنفسهم لا یریدون مشروباً عالی التسکیر. فی أحیان کثیره – لا یعرف الناس ما الذی یریدونه فعلاً، وعلى المُسوق معرفه ما الذی یریده المستهلکون، ثم مساعدتهم على أن یعرفوا ذلک، بما یخدم مصلحه المُسوق. أبحاث السوق لیست قاصره على فئه دون أخرى، فعندما تسأل أصدقائک عن أفضل محل لبیع الموبایلات فهذه أبحاث سوق تعتمد دقه نتائجها على خبرات هؤلاء الأصدقاء وکیفیه تکوینهم لآرائهم. عندما تبحث عن أکثر مواقع المنتدیات نشاطاً لتطرح مواضیعک هناک، وعندما تبحث عن أفضل الشرکات لتعمل بها، فهذه أبحاث سوق، وهکذا.

همچنین بخوانید:   Brand Management for Growing Professional Service Firms

رابط المصدر/